الحياة في الإمارات قديماً

 الحياة في الإمارات قديماً

  

من يرَ الحياة في دولة الإمارات العربية المتحدة في العصر الحالي، فمن الصعب عليه أن يصدق أن كل هذا التطور، وكل ما تحقق من إنجازات لا يزيد عمره على سنوات معدودة؛ منذ أن انطلقت شرارة الاتحاد معلنة بداية رحلة البناء والتطور والعمران، وينتقل معها سكان الإمارات من شظف العيش وقسوته.

ومع نهاية الخمسينات وبداية الستينات؛ توافد كثير من الأجانب إلى المنطقة، للعمل في التنقيب عن النفط ومجالات أخرى مثل الطب؛ وحرص بعضهم على تدوين ذكرياتهم في كتب ومذكرات تصف شكل الحياة في الإمارات المتصالحة آنذاك. ومن خلال هذه الذكريات يمكن رسم صور متفرقة للحياة في المنطقة.

يشير أوليفر مايلز، الضابط السياسي الذي قدم إلى أبوظبي عام 1961؛ إلى أن يد التنمية لم تمس أبوظبي تقريباً؛ لم يكن ثمة طرق، ولا أطباء مقيمون، ولا مصادر للكهرباء والماء، ولم يكن سوى ثلاثة أو أربعة منازل مبنية بمواد جامدة، ولم تكن هناك مدارس إلا المدرسة التي أسستها قوة ساحل عمان لاحقاً، وكتاب صغير لتعليم القرآن، ولم تكن هناك أي مؤسسات حكومية غير قوة صغيرة للشرطة تم تشكيلها قبل ذلك بعام تقريباً، ليتم بعد ذلك إنشاء بلدية لأبوظبي برئاسة الشيخ سلطان بن شخبوط.

ويصف إدريك ورسنوب، الذي جاء كضابط سياسي إلى أبوظبي عام 1958، إمارة أبوظبي في ذاك الوقت؛ مشيراً في مذكراته التي وردت في كتاب «ذكريات الإمارات»، الصادر عن الأرشيف الوطني، إلى أنه على الرغم من كبر مساحة إمارة أبوظبي كان عدد سكانها قليلاً، تقريباً 25 ألف نسمة، استقر منهم ما يراوح بين 10 و15 ألف نسمة في مدينة أبوظبي، وكانوا من أبناء القبائل. وعاش الباقون في تجمعات في ليوا وواحات البريمي الست، وبعد ذلك بـ10 سنوات ازداد عدد السكان ليصل إلى 180 ألف نسمة.

ويوضح ورسنوب أن الغوص بحثاً عن اللؤلؤ كانت الحرفة الأساسية على مدى قرنين تقريباً، لكنها أخذت في الاضمحلال بعد بدء أعمال التنقيب على النفط على الشواطئ وقبالتها معاً. ولم يكن هناك إلا القليل جداً من الزراعة وبعض أشجار النخيل، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الإبل، والماعز، وقليل من البقر. من جهة أخرى، لم يكن هناك ميناء أو مراسٍ تستوعب السفن الكبيرة، ولكن كانت مراسٍ صغيرة مبنية من الحجر تستخدمها السفن الصغيرة (الدهو) وقوارب الصيد. لافتاً إلى أنه لم تكن هناك أي مرافق أو خدمات في المدينة مثل الطرق أو الهاتف أو الكهرباء، أو خدمات بريدية أو مصرفية أو طبية، وكان الماء الذي يستخدم للشرب والطهي والغسل يوزع على ظهور الحمير، وبالطبع كان عدد السيارات قليلاً جداً، ولم يكن هناك بنزين لها إلا ذلك المخزون في البراميل، وعلى بعد ميل أو اثنين من المدينة كان هناك مهبط ممهد يستخدم لهبوط وإقلاع الطائرات القديمة التابعة لطيران الخليج، وكانت من طراز ديكوتا، ودوف. وكانت تستخدمه أيضاً الطائرات ذات المحرك الواحد أو المحركين، وبالقرب من ذلك الشريط الممهد كان برج المراقبة المبني من الطابوق الطيني، ومبنى آخر للوصول والسفر.

بينما تتحدث مارغريت بولارد، زوجة المعتمد السياسي البريطاني في دبي، عن ذكرياتها في دبي؛ لافتة إلى أنها قدمت إلى دبي في سبتمبر 1968، وكانت شوارعها متعرجة ومتربة ولا تحمل أسماء، ولا تحمل منازلها أيضا أرقاماً ولم تكن هناك طرق معبدة إلا في الشارقة، وكان خور دبي يكتظ بالطمي، ولا يوجد ميناء أو مستشفى، وكانت البضائع تفرغ في صنادل ليقوم عمال بنقلها ورصها إلى جانب الخور. مضيفة: «كلما أردت الذهاب للتسوق في ديرة كان عليّ اجتياز الخور على متن العبرة الخاصة بالمعتمدية البريطانية، وكان يقودها رجل يعمل بها. وكنت أشتري السمك من نساء يرتدين عباءات ويغطين وجوههن ببراقع مصبوغة بالأزرق، وقد جلسن غير بعيد عن القوارب الراسية على الشاطئ. وكان بوسعنا شراء الذهب واللآلئ من السوق. وكانت الأزقة مزدحمة بالهنود والباتان، وعلى المناضد كانت تباع التوابل والعطور والأقمشة الهندية الرائعة».

وتتناول باتريشيا موريس، زوجة الصحافي والمعلق السياسي كلود موريس، جانباً آخر من مظاهر الحياة في الإمارات المتصالحة وساحل عمان قديماً، لتصف الحياة في مخيم يقع في الصحراء بين دبي وأبوظبي، حيث الخيام البيضاء والنار الموقدة، وكان الرجال يتحركون حولها لإشعالها وقد ارتدوا ملابسهم التقليدية، بينما كان آخرون يحضرون الأسماك التي صادوها لإعدادها وطهوها. مضيفة: «ما إن خرجت من السيارة حتى شاهدت سيدة منقبة تتجه نحوي، وكان خمارها الأسود الرقيق يتمايل، ويحيط بها أطفالها، ومدت لي يدها تحييني بكلمات عربية لم أفهمها لكنني فهمت ابتسامتها. وأخذتني إلى خيمة، وعالم عرفته وأحببته».

وتستطرد موريس: «في زياراتي العديدة لهذه السيدة ولعائلتها شاهدت هذه البلاد، وهي تحول نفسها إلى دولة حديثة تنبض بالحياة، ولكن ظلت كثير من العادات؛ فالفاكهة مازالت تقدم للزوار، لكن لم نعد نجلس على الأرض كما في السابق، ولكن حول السفرة الكبيرة، ومازال البخور يقدم، ولكن ما عادت السيدات تنقعن خشب الصندل في تركيبة الزيوت المعطرة، وهي تركيبات كان يتم تبادلها بينهن. كما لم يعد على النساء إعداد البراقع لتلائم أشكال وجوههن، بعد أن انتفى الهدف من البرقع، وهو حماية الوجه من الشمس والريح والطقس».



|